قبل أن تسيطر الشاشات اللمسية على سوق الهواتف، كان هناك هاتف يستطيع لفت الأنظار بمجرد أن يظهر في يد صاحبه.
كان BlackBerry.
لم يكن مجرد هاتف للمكالمات والرسائل، بل قدم تجربة مختلفة للتواصل والعمل أثناء التنقل، بفضل لوحة المفاتيح الشهيرة وخدمات مثل BlackBerry Messenger. ومع انتشاره بين رجال الأعمال والمهنيين والشخصيات العامة، تحول تدريجيًا إلى أكثر من مجرد جهاز عملي، وأصبح في فترة من الفترات رمزًا للمكانة والنجاح.
السر كان في لوحة المفاتيح
في وقت كانت معظم الهواتف تعتمد على أزرار الأرقام، جاءت أجهزة بلاك بيري بلوحة مفاتيح QWERTY صغيرة تسمح بكتابة الرسائل والبريد الإلكتروني بسرعة.

وكانت هذه الميزة أكثر من مجرد تصميم مختلف؛ فقد جعلت الهاتف أداة عملية للأشخاص الذين يتعاملون مع البريد الإلكتروني بشكل مستمر، خصوصًا أثناء التنقل.
ومع انتشار الخدمة، أصبح BlackBerry من الأجهزة التي ارتبطت بصورة الموظف أو المدير الذي يريد أن يظل متصلًا بالعمل طوال الوقت.
BBM جعل الهاتف أكثر من مجرد جهاز للعمل
ثم جاء BlackBerry Messenger، أو BBM، ليضيف جانبًا اجتماعيًا إلى الهاتف.
اعتمد التطبيق على نظام PIN الخاص بكل جهاز، وأصبح تبادل هذه الأرقام بين الأصدقاء وسيلة شائعة لبدء المحادثات، بينما ساعدت مؤشرات تسليم وقراءة الرسائل على جعل تجربة المراسلة مميزة في ذلك الوقت.
وهكذا امتلك بلاك بيري شيئًا لم يكن متوفرًا بنفس القوة في كثير من الهواتف المنافسة: جهاز للعمل والتواصل الشخصي في الوقت نفسه.
عندما أصبح BlackBerry عنوانًا للنجاح
مع انتشار الهواتف والخدمات التابعة للشركة، تحول الجهاز تدريجيًا من أداة عملية إلى علامة لها حضور اجتماعي واضح.
كان استخدامه في الاجتماعات أو الأماكن العامة مرتبطًا بصورة الشخص المشغول بالعمل والتواصل، كما ظهر بين المشاهير والشخصيات العامة.
وبحلول سبتمبر 2011، وصلت خدمات بلاك بيري إلى نحو 85 مليون مشترك حول العالم، في واحدة من أقوى مراحل الشركة.
لكن في الوقت نفسه كانت سوق الهواتف الذكية تتجه نحو نموذج مختلف تمامًا.
ظهور iPhone غيّر معنى الهاتف الذكي
أصبحت الشاشة اللمسية والتطبيقات وتصفح الإنترنت والتصوير عناصر أساسية في الهاتف الذكي، بينما بقيت فلسفة BlackBerry مرتبطة بدرجة كبيرة بلوحة المفاتيح والتواصل والإنتاجية.

ومع انتشار iPhone وأجهزة Android، بدأ هذا النموذج يفقد جاذبيته أمام مستخدمين يريدون جهازًا يجمع بين العمل والترفيه والتطبيقات.
تراجعت الشركة تدريجيًا، وانتهى بها الأمر إلى الابتعاد عن سوق الهواتف والتركيز على البرمجيات والخدمات.
نهاية الهواتف التي عرفناها
لم يتوقف الأمر عند تراجع المبيعات.
في يناير 2022، أنهت BlackBerry الخدمات القديمة التي تعتمد عليها أجهزة BlackBerry 7.1 والإصدارات السابقة، إضافة إلى أجهزة BlackBerry 10.
وبعد هذه الخطوة، فقدت الهواتف القديمة جزءًا أساسيًا من وظائف الاتصال التي اعتمد عليها مستخدموها لسنوات، ليغلق ذلك عمليًا الفصل الأشهر في تاريخ BlackBerry كصانع للهواتف.
الشركة اختفت من جيوبنا.. لكنها لم تختفي
المفارقة أن اسم BlackBerry لم يختفي من عالم التقنية.
اتجهت الشركة إلى البرمجيات والأمن، بينما أصبحت QNX، التابعة لها، جزءًا من قطاع الأنظمة المدمجة والسيارات.
وتقول شركة بلاك بيري إن تقنيات QNX موجودة حاليًا في أكثر من 275 مليون سيارة حول العالم.
أي أن الشركة التي كان الناس يعرفونها بسبب هاتف صغير بلوحة مفاتيح أصبحت تعمل اليوم في كثير من الحالات خلف الكواليس، داخل أنظمة لا يراها المستخدم مباشرة.
هل يمكن أن يعود BlackBerry؟
رغم مرور سنوات على اختفاء هواتفها من المشهد الرئيسي، ما زالت لوحة المفاتيح QWERTY وشكل أجهزة بلاك بيري جزءًا من ذاكرة جيل كامل.
لكن عودة الشركة إلى عصر الهواتف القديم تبدو بعيدة عن مسار أعمالها الحالي، الذي يركز على البرمجيات والأمن والأنظمة المدمجة.
ولهذا تظل قصة بلاك بيري مختلفة عن مجرد قصة شركة هواتف خسرت المنافسة.
فالهاتف الذي كان في وقت من الأوقات وسيلة أساسية للبريد الإلكتروني والتواصل، ثم تحول إلى رمز للنجاح والمكانة، أصبح اليوم ذكرى من مرحلة تغيرت فيها طريقة استخدامنا للهواتف بالكامل.
وربما لهذا السبب تحديدًا، ما زالت صورة BlackBerry بلوحة مفاتيحه الصغيرة قادرة على إعادة الكثيرين إلى عصر كانت فيه هذه الأزرار الصغيرة كافية لجعل هاتف في يد شخص ما يبدو مختلفًا عن كل ما حوله.

